سيد محمد طنطاوي

178

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال ابن كثير : قوله - تعالى - * ( فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً ولَوِ افْتَدى بِه ) * . أي من مات على الكفر فلن يقبل منه خير أبدا ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهبا فيما يراه قربة كما سئل النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عن عبد اللَّه بن جدعان - وكان يقرى الضيف ، ويفك العاني ، ويطعم الطعام - هل ينفعه ذلك ؟ فقال : « لا إنه لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين » وكذلك لو افتدى - نفسه في الآخرة - بملء الأرض أيضا ذهبا ما قبل منه ، كما قال - تعالى - ولا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ « ، وقال - تعالى - : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ومِثْلَه مَعَه لِيَفْتَدُوا بِه مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ « 1 » . ثم قال : وروى الشيخان والإمام أحمد عن أنس بن مالك أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به ؟ قال : فيقول نعم ، فيقول اللَّه له ، قد أردت منك أهون من ذلك ، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك « . وفي رواية للإمام أحمد عن أنس قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول اللَّه له : يا ابن آدم كيف وجدت منزلك ؟ فيقول : أي رب ، خير منزل . فيقول اللَّه - تعالى - له : سل وتمن ، فيقول : ما اسأل ولا أتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرار - لما يرى من فضل الشهادة - ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول له : كيف وجدت منزلك ؟ فيقول : أي رب ! شر منزل ، فيقول له : أتفتدي منه بطلاع الأرض ذهبا ؟ فيقول أي رب ! نعم فيقول : كذبت ! قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل فيرد إلى النار » « 2 » . وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : فلم قيل في الآية السابقة * ( لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ) * بغير فاء . وقيل هنا * ( فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ ) * بوجود الفاء - ؟ قلت : قد أوذن بالفاء أن الكلام بنى على الشرط والجزاء ، وأن سبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر ، وبترك الفاء أن الكلام مبتدأ وخبر ولا دليل فيه على التسبيب ، كما تقول : الذي جاءني له درهم ، لم تجعل المجيء سببا في استحقاق الدرهم ، بخلاف قولك : فله درهم » « 3 » . وقوله * ( ذَهَباً ) * منصوب على أنه تمييز . وعبر بالذهب لأنه أنفس الأشياء وأعزها على النفس .

--> ( 1 ) سورة المائدة الآية 36 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 380 - بتصرف وتلخيص - . ( 3 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 382 .